ساسي سالم الحاج

29

نقد الخطاب الاستشراقي

ونحن لا ننكر الأحوال الاقتصادية للجزيرة العربية طبقا لما وصفها المستشرقون . فالطبيعة كانت قاسية ، والطقس حارّا ، والأمطار نادرة ، وقد كان لهذه الطبيعة أثرها في عدم ظهور مجتمعات كثيفة في الجزيرة العربية . ولكن ليست الحياة العربية بتلك القسوة الظاهرة التي صورها لنا المستشرقون ، فتنزل الأمطار في فصل الشتاء في بعض المناطق خاصة في العربية الغربية والعربية الجنوبية ، فتنبت الخضرة ، وتظهر الأعشاب التي تتغذى عليها ماشيتهم . وهناك مناطق تظهر فيها بعض العيون والآبار فتقوم عليها بعض الزراعة الخفيفة كالحبوب والخضراوات ويكثر فيها النخيل الذي يعتبر إنتاجه مادة غذائية مفيدة للإنسان والحيوان على حدّ سواء . ولا يتميز الطابع الاقتصادي للجزيرة العربية على حياة البدوي وجمله في تلك البيئة الطاردة ، فهذه مدن وقرى تتجمع فيها الناس في مستوطنات متفرقة في أماكن خصبة غنية بالماء والزرع . وهذه المستوطنات تمارس إلى جانب ذلك التجارة والحرف اليدوية القائمة على المنتوجات الزراعية والحيوانية . ولعل أهم المستوطنات الحضرية التي ظهرت في الجزيرة العربية هي مكة والمدينة ، حيث تعتمد الأولى بصفة أساسية على التجارة ، وتعتمد الثانية على الزراعة وتربية النخيل ، وليست مدينة الطائف عنهما ببعيدة حيث تكثر بها أشجار النخيل والعنب لطيب هوائها وجودة تربتها . وإذا تحدثنا عن المظاهر الاقتصادية للجزيرة العربية فإننا لا نغفل القسم الجنوبي منها حيث تكثر فيها الزراعة التي تعتمد على مياه الأمطار والعيون والآبار ، وقام السكان بتشييد سد مأرب الشهير ، وهو أمر له دلالته في الاهتمام بالزراعة ، واستخدموا الأدوات المختلفة في هذا النشاط الاقتصادي الأساسي ، وقد ظهرت أسماء هذه الأدوات الزراعية في لهجات الجزيرة العربية الجنوبية ، وكذلك في النقوش التي رسمت على الحجارة وألواح الطين ، ويظهر منها كيفية حرث الأرض وحصادها . وكل ذلك يبرهن على أن اقتصاد الجزيرة الجنوبية مزدهر بالنسبة إلى الوضع الزراعي القائم في تلك الأيام . درس المستشرقون الزراعة ونظام الري في جنوب الجزيرة العربية على أحدث الأساليب العلمية الحديثة . وقدموا لنا معلومات قيّمة عن هذه الأوضاع بطريقة يستبين لنا منها ذلك التقدم الذي أحرزته تلك الأقوام في هذا المضمار ، خاصة فيما يتعلق